سيد قطب
1263
في ظلال القرآن
القوى - بجهده وحده - وتصور كل تعرف إلى النواميس الكونية ، وكل تسخير لها « قهرا للطبيعة » في المعركة بينها وبين الجنس الإنساني ! إنها تصورات سخيفة ، فوق أنها تصورات خبيثة ! لو كانت النواميس الكونية مضادة للإنسان ، عدوة له ، تتربص به ، وتعاكس اتجاهه ، وليس وراءها إرادة مدبرة - كما يزعمون - ما نشأ هذا الإنسان أصلا ! وإلا فكيف كان ينشأ ؟ كيف ينشأ في كون معاد بلا إرادة وراءه ؟ ولما استطاع المضي في الحياة على فرض أنه وجد ! وإلا فكيف يمضي والقوى الكونية الهائلة تعاكس اتجاهه ؟ وهي - بزعمهم - التي تصرف نفسها ولا سلطان وراء سلطانها ؟ إن التصور الإسلامي وحده هو الذي يمضي وراء هذه الجزئيات ليربطها كلها بأصل شامل متناسق . . إن اللّه هو الذي خلق الكون ، وهو الذي خلق الإنسان . وقد اقتضت مشيئته وحكمته أن يجعل طبيعة هذا الكون بحيث تسمح بنشأة هذا الإنسان ، وأودع الإنسان من الاستعدادات ما يسمح له بالتعريف إلى بعض نواميس الكون واستخدامها في حاجته . . وهذا التناسق الملحوظ هو الجدير بصنعة اللّه الذي أحسن كل شيء خلقه . ولم يجعل خلائقه متعاكسة متعادية متدابرة ! وفي ظل هذا التصور يعيش « الإنسان » في كون مأنوس صديق ؛ وفي رعاية قوة حكيمة مدبرة . . يعيش مطمئن القلب ، مستروح النفس ، ثابت الخطو ، ينهض بالخلافة عن اللّه في الأرض في اطمئنان الواثق بأنه معان على الخلافة ؛ ويتعامل مع الكون بروح المودة والصداقة ؛ ويشكر اللّه كلما اهتدى إلى سر من أسرار الوجود ؛ وكلما تعرف إلى قانون من قوانينه التي تعينه في خلافته ؛ وتيسر له قدرا جديدا من الرقي والراحة والمتاع . إن هذا التصور لا يكفه عن الحركة لاستطلاع أسرار الوجود والتعريف إلى نواميسه . . على العكس ، هو يشجعه ويملأ قلبه ثقة وطمأنينة . . إنه يتحرك في مواجهة كون صديق لا يبخل عليه بأسراره ، ولا يمنع عنه مدده وعونه . . وليس في مواجهة كون عدو يتربص به ويعاكس اتجاهاته ويسحق أحلامه وآماله ! إن مأساة « الوجودية » الكبرى هي هذا التصور النكد الخبيث . . تصور الوجود الكوني - بل الوجود الجماعي للبشرية ذاتها - معاكسا في طبيعته للوجود الفردي الإنساني ، متجها بثقله الساحق إلى سحق هذا الوجود الإنساني ! إنه تصور بائس لا بد أن ينشئ حالة من الانزواء والانكماش والعدمية ! أو ينشئ حالة من الاستهتار والتمرد والفردية ! وفي كلتا الحالتين لا يكون إلا القلق المضني ! والبؤس النفسي والعقلي ، والشرود في التيه : تيه التمرد ، أو تيه العدم . . وهما سواء . . وهي ليست مأساة « الوجودية » وحدها من مذاهب الفكر الأوروبي . إنها مأساة الفكر الأوروبي كله - بكل مذاهبه واتجاهاته - بل مأساة الجاهلية كلها في جميع أزمانها وبيئاتها . المأساة التي يضع الإسلام حدا لها بعقيدته الشاملة . التي تنشئ في الإدراك البشري تصورا صحيحا لهذا الوجود ، وما وراءه من قوة مدبرة . إن « الإنسان » هو ابن هذه الأرض ؛ وهو ابن هذا الكون . لقد أنشأه اللّه من هذه الأرض ، ومكنه فيها ، وجعل له فيها أرزاقا ومعايش ، ويسر له المعرفة التي تسلمه مفاتيحها ؛ وجعل نواميسها موافقة لوجود هذا الإنسان ، تساعده - حين يتعرف إليها على بصيرة - وتيسر حياته . . ولكن الناس قليلا ما يشكرون . . ذلك أنهم في جاهليتهم لا يعلمون . . وحتى الذين يعلمون لا يملكون